الأربعاء، 15 أغسطس، 2012

وصايا الإمام أحمد بن حنبل لولده يوم زواجه - الرومانسية كما يجب أن تكون

بسم الله والحمد لله و الصلاة و السلام علي رسول الله صلي الله عليه وسلم
أما بعد 
الحمد لله الذي جعل الزواج مودة و سكنا و رحمة "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الروم:21)"

و  قد كان رسول الله صلي الله صلي الله عليه و سلم أبر الناس بأزواجه و عن أم المؤمنين عائشة رضوان الله تعالي عليها أن رسول الله صلي الله عليه و سلم قال: "خيركم .. خيركم لأهله و أنا خيركم لأهلي".
ومما أثر عن الإمام لأحمد ابن حنبل وصيته لولده يوم زواجه و التي تعتبر درسا في الحب و الرومانسية لا يدركه كثير من رجالنا في هذه الأيام للأسف ولو عملنا بما فيه لوصلنا إلي السعادة في الحياة الزوجية.
ولكن أولا .. أليس هذا أحمد بن حنبل المتشدد الذي يطلق علي المتشددين بين الناس أنهم (حنبليون) علي اسمه؟؟؟
لنتعرف إذن علي الإمام أحمد بن حنبل أولا .. لنعرف الرجل قبل أن نعرف أقواله
هو أحد الأئمة الأربعة الكبار لأهل السنة و الجماعة بعد الإمام أبوحنيفة النعمان و الإمام مالك بن أنس و الإمام محمد الشافعي 
و لكل منهم مذهبه الذي سمي باسمه.
أما مذهب الإمام أحمد بن حنبل فقد كان أكثرهم تشددا و القصد من التشدد ليس المغالاة أو التعصب كما قد يخطئ البعض الظن ولكنه شدة الحرص علي تطبيق كتاب الله و سنة رسوله بالنص و الابتعاد عن الرأي الذي قد يصيب و يخطأ و التمسك بالقرآن الكريم ثم البينة  ثم إجماع الصحابة و لم يقبل بالقياس -أي الرأي الشخصي- إلا نادراً.
فذلك هو الرجل .. و أعتذر عن طول المقدمة و ان كانت واجبة للتعريف بهذا الرجل الشديد حين البأس و اللين حين العطف.

وهذا نص ما قال الإمام لولده

أي بني: إنك لن تنال السعادة إلا بعشر خصال تمنحها لزوجك.
فهو لم يقل له عشر قواعد ترسيها .. أو عشر مبادئ تفرضها .. بل قال عشر خصال و الخصلة هي الصفة الثابتة و الميزة الحسنة التي تثبت فتصبح طبعا أصيلا.. و قال تمنحها لزوجك .. أي تقدمها بلا مقابل لا حالا و لا مستقبلا بل تقدمها طواعية طاعة لله و امتثالا لقدوتنا رسول الله صلي الله عليه و سلم خير الناس لأهله.

اما الأولي و الثانية: فإن النساء يحببن الدلال .. و التصريح بالحب فلا تبخل علي زوجتك بذلك فإن بخلت جعلت بينك و بينها حجابا من الجفوة و نقصا من المودة.

فنري هنا الإمام المتشدد .. صاحب المذهب الأكثر تشددا يوصي ولده بأن يدلل زوجته و يصرح لها بأنه يحبها ليس لكي تطيعه و ليس لشيء سوي أنها (تحب ذلك) و يوصي ولده بألا يبخل بالدلال و التصريح بالحب علي زوجته و عكس البخل السخاء و الكرم .. أي أن يدللها دوما و يصرح لها بحبه دوما .. فهل هناك ما هو أكثر رقة من هذا؟

أما الثالثة: فإن النساء يكرهن الرجل الشديد الحازم .. و  يستخدمن الرجل الضعيف اللين .. فاجعل لكل صفة مكانها فإنه أدعي للحب و أجلب للطمأنينة.

يوصي الإمام هنا ولده و يبين له أن الشدة المتصلة مثل اللين المتصل كلاهما خطأ فأحدهما تكرهك به زوجك و الأخر تهون به في نظرها .. فعليك بتحكيم عقلك و وزن الأمور و معاملة المواقف بما يناسبها من شدة أو لين .. و ليس ذلك للتحكم أو الخداع أو احكام السيطرة و لكنه (أدعي للحب و أجلب للطمأنينة).

أما الرابعة: فإن النساء يحببن من الزوج ما يحب منهن من طيب الكلام و حسن المنظر و نظافة الثياب و طيب الرائحة .. فكن في كل أحوالك كذلك.

يوصي الإمام ولده بأن يعطي ما يحب لينال ما يحب .. فإذا أحب أن تكون زوجته طيبة الكلام, حسنة المنظر, نظيفة الثياب و طيبة الرائحة (وجب عليه) أن يبدأ بنفسه فيكون كذلك و لم يقل له تكون كذلك حين تريد معاشرتها أو حين تريد منها طلبا أو خدمة و لكن قال: "فكن (في كل أحوالك) كذلك".

أما الخامسة: فإن البيت (مملكة الأنثي) و فيه تشعر أنها متربعة علي عرشها و أنها سيدة فيه (فإياك) أن تهدم هذه المملكة التي تعيشها و (إياك) أن تحاول أن تزيحها عن عرشها ذاك .. فإنك  إن فعلت نازعتها ملكها .. وليس لملك أشد عداوة ممن نازعه ملكه أبدا و إن أظهر غير ذلك.

نري هنا التصريح بأن البيت مملكة الأنثي تديره و تصرف أموره وفق ما تري بما يرضي الله فلا تزاحمها فيه حماة و لا أخت زوج ولا رأي لأحد فيه غيرها و نهاه نهيا قاطعا إياك و هدم المملكة أو محاولة إزاحتها عن عرشها فإن الملك لا يعادي أحدا مثل ما يعادي من يريد انتزاع ملكه و لو أظهر غير ذلك .. فذلك كفيل بأن يهدم البيت القائم علي الحب و المودة و الطمأنينة الذي يهدف إليه الإمام ابن حنبل بنصائحه لولده. 

أما السادسة: فإن المرأة تحب أن تكسب زوجها و لا تخسر أهلها (فإياك) أن تجعل نفسك مع أهلها في ميزان واحد فإما أنت أوهم ..فهي و إن اختارتك علي أهلها فإنها ستبقي في كمد تنقل عدواه لحياتك اليومية.
نجد هنا آفة انتشرت بين الشباب وهي كلمة : "يا أنا يا أهلك" أو "لو رحتي لأهلك مترجعيش أو متلزمينيش" و ينهي عنها الإمام نهيا قاطعا فيقول (إياك) أن تجعل نفسك و أهلها في ميزان واحد .. و إلا فستكون زوجتك في كَمَد و الكمد في اللغة العربية هو تغير اللون و التكميد هو تسخين العضو بربطه بالخرق أو ما شابه كأنه مخنوق أو مكتوم و يطلق علي الحزن المكتوم.

أما السابعة: أن المرأة خلقت من ضلع أعوج (و هذا سر الجمال فيها و سر الجذب  إليها وليس عيباً فيها "فالحاجب زينه العوج") فلا تحمل عليها إن هي أخطأت حملة لا هوادة فيها تحاول تقييم المعوج فتكسرها (وكسرها طلاقها) و لا تتركها إن هي أخطأت حتي يزداد اعواججها و تتقوقع علي نفسها فلا تلين لك بعد ذلك و لا تسمع إليك و لكن كن دائما معها بين بين.

في هذا إشارة إلي خلق أمنا حواء من ضلع أبونا آدم و الضلع أعوج  بطبعه و لكنه ينبه بأن هذا العوج ليس عيبا أو خطأ و لكنه سر الجمال و سر الجذب و ضرب له مثالا بالحاجب فوق العين بأنه من زينته أنه معوج و هو مشهور في أشعار الغزل عند العرب أن يوصف الحاجب في شكله بالهلال لتقوسه.. و في حالة الخطأ يوصيه بألا يحمل عليها باللوم بشدة مما يؤدي إلي المنازعات بينهما وقد تنتهي بالطلاق و العياذ بالله و هو ما شبهه الإمام بكسر الضلع و أوضحه لبيان أن المقصود ليس ضربا أو تعنيفا جسديا و لكن أن أقصي الكسر هو الطلاق .. و هو مع ذلك يوصيه ألا يتركها تماما و لا يراجعها فيما أخطأت فيه لئلا تزيد في  خطئها فينفر منها وتنفر منه و ينهدم البيت الذي هو وحدة البناء الحقة للمجتمع.

أما الثامنة: فإن النساء جبلن علي كُفر العشير و جحدان المعروف فإن أحسنت لإحداهن دهرا ثم أسات إليها مرة قالت: ما رأيت منك خيرا قط .. فلا يحملك هذا الخلق علي أن تكرهها فإن كرهت منها هذا الطبع فقد ترضي غيره.

في هذه الوصية يذكر الإمام أحمد ابن حنبل قول الرسول صلي الله عليه و سلم في رواية أبي سعيد الخدري في صحيح البخاري أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "أُرٍيتُ النار فإذا أكثر أهلها النساء يَكفُرن .. قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير و يكفرن الإحسان لو أحسنت إلي إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منهك خيرا قط" فذلك قول رسول الله صلي الله عليه و سلم الذي لا ينطق عن الهوى .. علمه شديد القوى هو العالم بعباده .. و الكفر في اللغة هو التغطية وذلك أن الزارع إذا غطي البذرة بالتراب يقال كَفَرَها و كفر الحق أي أنكره و غطاه و العشير هو الزوج المعاشر .. و يوصي الإمام ولده و يبين له أن هذا طبع أصيل في كل النساء كما بين الله علي لسان رسوله و حبيبه صلي الله عليه و سلم و لذا عليه ألا يكرهه من زوجته بل يتغاضي عنه و ينظر إلي ما يرضيه منها.

أما التاسعة: فإن المرأة تمر بحالات من الضعف الجسدي و التعب النفسي حتي أن الله سبحانه و تعالي أسقط عنها مجموعة من الفرائض التي افترضها في هذه الحالات فقط اسقط عنها الصلاة نهائيا (و أنسأ) لها الصيان خلالهما حتى تعود صحتها و يعتدل مزاجها فكن معها في هذه الأحوال ربانياً .. كما خفف الله سبحانه و تعالي عنها فرائضه أن تخفف عنها طلباتك و أوامرك.

في هذه الوصية نري أخلاقا راقية لم تعد موجودة بل ومن المسلمين من يتبجح بعكسها و ينسبها إلي الإسلام .. فهذا هو الإمام أحمد بن حنبل الذي ينسب إليه من يتشدد في الدين و يقال أنه حنبلي يوصي ولده بأن المرأة لها ظروف خاصة في الحيض و النفاس و الرضاعة و ما إلي ذلك من طبيعة جسدها و أن الله سبحانه تعالي قد أسقط عنها الصلاة في أحوالها و أنسأ لها الصيام أي أجله لتقضيه في أيام أُخَر .. و لم يطلب من ولده أن يكون طيبا و لا متسامحا و لا أن يعتزلها و يتركها و لكن أمره مباشرة (كن معها في هذه الأحوال) و لم يأمره بأن يسعاملها بطيبة بشرية ولا ملائكية بل قال (ربانيا) أي اطلب بزوجتك وحبيبتك و تحملك لها و جهادك نفسك عن قربها و مودتها و عشرتها وجه الله و استمد منه التسامح الذي وهب لها به الرخصة لترك الصلاة و تأجيل الصوم و  خفف عنها أنت أيضا طلباتك و أوامرك .. و ذلك حتي تعود صحتها و (يعتدل مزاجها) لم يقل كما قالت النائبة المحترمة المنتسبة إلي الإسلام و المسلمين أن الزوج له أن يعاشر زوجته غصبا إن شاء و رفضت و يجب ألا يحاسبه القانون و لا يعتبر هذا اغتصابا .. وهذا الرجل الحنبلي بل الذي سميت بالسمه الحنبلية يقول لابنه .. حتي (يعتدل مزاجها).

أما العاشرة و الأخيرة: اعلم أن المرأة (أسيرة) عندك فارحم أسرها و تجاوز عن ضعفها تكن لك خير (متاع) و خير شريك.

هذه الوصية الأخيرة من العشر وصايا الرائعة و فيها يشير الإمام ابن حنبل إلي قول الرسول صلي الله عليه و سلم حال وفاته: "استوصوا  بالنساء خيرا فإنهن عَوَانٌ عندكم" و عوان أي أسيرات و استخدم  هذا الوصف ليس ليقلل من شأن المرأة و لا يهينها و لكن المرأة الحرة الشريفة و إن كانت ملكة إذا كرهت زوجها و تركته و هربت منه لا يحل لها الزواج إلا إذا طلقها و إلا كان حراما عليها الزواج فهي أسيرة لرباط الزواج  و الذي عقدته بيد زوجها و ليست أسيرة أي عبدة أو مملوكة أومهانة حاشا لله .. و نري الإمام يوصي ولده بأن يرحم أسرها و يتجاوز عن ضعفها فهي القائم علي رعايتها هي و أولادها ..  و يؤكد له أنه إذا فعل كانت له خير متاع و خير شريك .. فالمتاع هو الزاد و الراحلة و المسكن الذين يأخذهم المسافر فصور الإمام حياتنا برحلة الزوجة الصالحة فيها هي المتاع و الشريك إن أحسنت تدبيرهم سافرت مطمئنا هانئا و ان أسئت فلا تلومن إلا نفسك.


الحمد لله و الصلاة و السلام علي رسول الله صلي الله عليه وسلم
وبعد فهذا مبلغ علمي وماهداني الله إليه في شرح هذه الوصايا الراقية
و التي تمتلأ بالأخلاق العالية السامية التي نفتقدها في أيامنا هذه
فإن أصبت فمن فضل الله و إن أخطأت فمن نفسي و الشيطان
و علي الله قصد السبيل
و السلام